post-image

: السودان الذي لم نتعلم كيف نسمعه


عن الموسيقى والذاكرة والاختلاف، وكيف يمكن أن يتحول التنوع السوداني من مصدر للانقسام إلى قوة تجمعنا


19\اغسطس\2026

بقلم: حمزة كاسترو

من بعض الرحلات البحثية حول الموسيقى والثقافة في السودان.


في بعض رحلاتي البحثية في السودان، لقيت نفسي بسمع الناس أكتر مما كنت بدوّر على إجابات.


كنت بسمع أغنية، أو حديث عن لغة، أو حكاية قديمة، أو شخص بيتكلم عن تراثه بالطريقة البتكلم بيها الإنسان عن حاجة قريبة جدًا من قلبه.


في البداية، كنت فاكر إني ببحث عن الموسيقى.


لكن مع الوقت فهمت إن الموسيقى كانت بتقودني لحاجة أكبر منها.


كانت بتقودني للذاكرة.


للطريقة البشوف بيها الناس نفسهم، وللأشياء البتخلي مجتمع يحس إن أغنية معينة بتشبهه، وإن إيقاعًا معينًا بيمثله، وإن حكاية معينة جزء من تاريخه.


شنو البخلينا نحب الحاجة العارفنها، ونرفض الحاجة الما عارفينها؟


ربما هنا تبدأ واحدة من المشاكل المهمة في السودان.


السودان بلد واسع، وفيه لغات وموسيقى وعادات وذاكرات وتجارب كثيرة.


لكن وجود التنوع وحده ما معناهو إننا بنعرف بعض.


أحيانًا بنسمع موسيقى مختلفة من المألوف بالنسبة لينا، فنضحك.


بنسمع لغة ما فاهمنها، فنقول إنها غريبة.


بنشوف طريقة مختلفة في الرقص أو الاحتفال، فنحكم عليها قبل ما نعرف معناها.


وقد تبدو هذه الأشياء بسيطة في لحظتها.


لكن المشكلة إن السخرية، لما تتكرر، ممكن تتحول إلى صورة عن الآخر.


والصورة البتتكوّن من غير معرفة ممكن تتحول إلى صورة نمطية.


والصورة النمطية ممكن تصنع مسافة.


ومع الوقت، المسافة ممكن تتحول إلى رفض.


الفرق بين اختلاف الذوق واحتقار الآخر


عشان كده، في فرق كبير بين إنك تقول:


«الموسيقى دي ما بتناسب ذوقي.»


وبين إنك تقول:


«الموسيقى دي ما عندها قيمة.»


الأولى اختلاف طبيعي.


أما الثانية، فهي حكم على ثقافة كاملة من خلال ذوق شخص واحد.


والمشكلة تصبح أكبر لما يتحول الحكم على الثقافة إلى حكم على الناس المرتبطين بيها.


هنا الموضوع ما بكون موسيقى بس.


بكون احترام.


وانتماء.


وحق الإنسان في التعبير عن نفسه وثقافته من غير ما يتحول إلى مادة للسخرية أو الإقصاء.


هل نحن فعلًا نعرف بعض؟


أحيانًا أفكر إن واحدة من الأسئلة المهمة التي لازم نسألها لأنفسنا اليوم هي:


«هل كنا نعرف بعض فعلًا قبل الحرب؟»


كنا نعيش في بلد واحد، لكن هل كنا نعرف موسيقى بعض؟


هل كنا نعرف لغات بعض؟


هل كنا نعرف الحكايات التي شكلت ذاكرة بعضنا؟


هل كنا بنسمع بعض فعلًا، ولا كنا فقط بنعيش جنب بعض؟


هذه الأسئلة مهمة لأن خطاب الكراهية لا يبدأ دائمًا بكلمة كبيرة أو دعوة مباشرة للعنف.


أحيانًا يبدأ من نكتة.


من لقب.


من وصف متكرر.


من السخرية من لهجة.


من الاستهزاء برقصة.


من التقليل من موسيقى.


ومن فكرة بسيطة تقول إن ما أعرفه أنا هو الطبيعي، وما لا أعرفه هو الغريب.


ومع تكرار هذه الأشياء، يمكن أن يصبح الاختلاف نفسه شيئًا نخاف منه.


لهذا، أعتقد أن مواجهة خطاب الكراهية ما بتبدأ فقط لما تظهر الكلمات المحرضة.


يمكن أن تبدأ قبل ذلك بوقت طويل.


يمكن أن تبدأ من المعرفة.


أن تحب ثقافتك لا يعني أن تكره ثقافة غيرك


خلال بعض رحلاتي البحثية، خصوصًا في شرق السودان، كان من الأشياء التي لفتت انتباهي جدًا الطريقة التي يتحدث بها الناس عن تراثهم.


كان واضحًا بالنسبة لي أن الموسيقى عند كثير من الناس ما مجرد حاجة بنسمعها.


وراها لغة.


وحكايات.


ورقص.


وذاكرة.


وتاريخ.


وأماكن.


وتجارب عاشها الناس.


تسمع أغنية، فتلقى وراها قصة.


تسأل عن إيقاع، فيأخذك الحديث إلى مناسبة اجتماعية أو ذكرى قديمة.


وتسمع الناس يغنوا عن تاريخهم وتجاربهم ونضالاتهم، فتفهم أن الموسيقى ليست منفصلة عن حياة المجتمع.


هي واحدة من الطرق التي يحفظ بها الناس ذاكرتهم، ويقولوا من خلالها:


«نحن هنا. هذه قصتنا. وهذا ما نريد أن نتذكره.»


وهذا في حد ذاته ليس مشكلة.


أن يحب الإنسان ثقافته شيء طبيعي.


أن يعتز بلغته وموسيقاه وتاريخه وتراثه ليس عنصرية.


المشكلة تبدأ في مكان آخر.


تبدأ عندما يصبح الاعتزاز بما عندي قائمًا على التقليل مما عندك.


عندما أحتاج، لكي أشعر أن ثقافتي لها قيمة، إلى أن أسخر من ثقافتك.


هناك فرق كبير بين:


«أنا أحب ما عندي.»


وبين:


«ما عندي أفضل مما عندك.»


الفرق بسيط في الكلمات، لكنه كبير جدًا في الحياة.


التنوع وحده لا يكفي


نقول كثيرًا إن السودان بلد غني بالتنوع.


وهذه حقيقة جميلة.


لكنني بدأت أعتقد أن العبارة وحدها ما كفاية.


لأن وجود ثقافات ولغات وموسيقى وتقاليد كثيرة في بلد واحد لا يعني بالضرورة أننا عرفنا كيف نعيش هذا التنوع.


يمكن أن يكون عندنا كل هذا الثراء، وفي نفس الوقت نكون ما عارفين عن بعض إلا القليل.


الثروة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التنوع إلى معرفة.


عندما تصبح موسيقى الآخر فرصة للاستماع، بدل أن تكون فرصة للسخرية.


وتصبح لغته فرصة للتعلم، بدل أن تكون سببًا للتنميط.


ويصبح تاريخه فرصة لفهم جزء آخر من تاريخ السودان، بدل أن يتحول إلى منافسة حول من يملك التاريخ الأهم.


ويصبح تراثه شيئًا نحترم حقه في الوجود والممارسة، بدل أن نطلب منه أن يشبهنا حتى نقبله.


هنا يبدأ التنوع في التحول من مجرد حقيقة موجودة في السودان إلى قيمة يمكن أن يستفيد منها السودان.


ماذا لو أصبح اختلافنا فرصة للتعارف؟


خلال رحلاتي، قابلت أشخاصًا من خلفيات ومناطق مختلفة، وكل واحد يحمل معه شيئًا من ذاكرته وثقافته.


وهنا بدأت أشوف التنوع بطريقة مختلفة.


ليس فقط باعتباره مجموعة ألوان نقول عنها: «السودان متنوع.»


بل باعتباره علاقات حقيقية بين الناس.


شخص يسمع لغة ليست لغته.


وشخص يعيش بجوار عادات لم ينشأ عليها.


أغنية تنتقل من مكان إلى آخر.


إيقاع يدخل في تجربة موسيقية جديدة.


وأناس يتأثرون ببعضهم، ويتعلمون من بعض، من غير ما يعني ذلك أن أي واحد منهم لازم يتخلى عن نفسه.


وقتها سألت نفسي:


«ماذا لو ما كان المطلوب مننا إننا نتخلى عن اختلافاتنا، وإنما نتعلم نكون أكثر فضولًا تجاه بعض؟»


بدل ما أسأل:


«لماذا يفعل هؤلاء ذلك؟»


أسأل:


«ماذا يعني هذا بالنسبة إليهم؟»


وبدل ما أسأل:


«من الأكثر سودانية؟»


أسأل:


«ماذا يمكن أن أتعلم من سودانيتك المختلفة عن سودانيتي؟»


بالنسبة لي، هذا السؤال يغيّر الكثير.


لأنه لا يطلب من أي شخص أن يتخلى عن نفسه حتى نعيش معًا.


ولا يفترض أن السلام يعني أن نصبح نسخة واحدة من بعض.


بل يقول شيئًا أبسط:


«يمكن أن نختلف، ونظل قادرين على التعرف على بعضنا بدل أن نخاف من بعضنا.»


الموسيقى ليست مجرد موسيقى


ربما لهذا السبب لم تعد رحلاتي البحثية بالنسبة لي مجرد بحث عن الموسيقى.


كلما بحثت في الموسيقى، وجدت نفسي أبحث أكثر في الإنسان.


من يغني؟


ولماذا يغني؟


ماذا يريد أن يتذكر؟


ماذا يريد أن يحكي عن نفسه؟


ما الذي يخاف أن يضيع؟


وما الذي يريد أن يبقى بعده؟


هذه الأسئلة جعلتني أرى الموسيقى بطريقة مختلفة.


الأغنية ممكن تكون وثيقة.


والإيقاع ممكن يحمل ذاكرة.


والرقصة ممكن تكون طريقة للتعبير عن تاريخ وتجربة.


واللغة ممكن تكون مفتاحًا لفهم عالم كامل.


وعندما نسمع هذه الأشياء بهذه الطريقة، تصبح الموسيقى أكثر من إنتاج فني.


تصبح مساحة للتعارف.


ربما السودان لا يحتاج أن يصبح متشابهًا


أحيانًا نتعامل مع الاختلاف وكأنه مشكلة يجب أن نجد لها حلًا.


لكن ربما المشكلة ليست في أننا مختلفون.


ربما المشكلة أننا لم نتعلم كيف نعيش اختلافنا بصورة صحية.


السودان لا يحتاج أن يصبح صوتًا واحدًا حتى يكون بلدًا واحدًا.


ولا يحتاج أن تتشابه ثقافاته حتى يشعر الناس بأنهم ينتمون إلى وطن واحد.


ما نحتاجه ربما هو أن نتعلم كيف نسمع الأصوات المختلفة، ونفهمها، ونحترم حقها في الوجود.


لأن الوطن القوي ليس هو الوطن الذي يخلو من الاختلاف.


الوطن القوي هو الذي يعرف كيف يحوّل اختلافاته إلى مساحة للتعارف والتعاون.


أن نسمع بعضنا


اليوم، ونحن نعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخ السودان، أصبحت هذه الفكرة بالنسبة لي أكثر إلحاحًا.


الحرب أخذت منا الكثير.


أخذت أرواحًا.


وبيوتًا.


وأماكن.


وذكريات.


وفرقت عائلات ومجتمعات.


لكنها أيضًا كشفت لنا كم نحن بحاجة إلى أن نفهم بعضنا بصورة أعمق.


ربما لا نستطيع أن نغيّر كل شيء في لحظة.


لكن يمكننا أن نبدأ من شيء بسيط جدًا:


أن نسمع.


نسمع الأغنية التي لم نسمعها من قبل.


نسأل عن الإيقاع الذي لا نعرفه.


نتعلم كلمة من لغة أخرى.


نقرأ قصة من مكان مختلف.


نسأل شخصًا عن تراثه بدل أن نحكم عليه.


وقد نكتشف، في النهاية، أن الشيء الذي كنا نراه غريبًا ليس غريبًا على الإطلاق.


فقط كان ينقصنا أن نعرف قصته.


السودان الذي نحلم به لا يحتاج أن يفقد اختلافه


أنا لا أعتقد أن التنوع السوداني مشكلة تحتاج إلى أن نحلها.


أعتقد أن المشكلة الحقيقية هي أننا لم نتعلم بعد كيف نحول هذا التنوع إلى قوة.


ويمكن أن تكون الثقافة واحدة من الأماكن التي نبدأ منها.


لأن الثقافة قادرة على أن تقول لنا شيئًا بسيطًا:


«أنت مختلف عني، لكن اختلافك لا يمنعني من أن أعرفك.»


والموسيقى، التي كانت بداية رحلتي، ما زالت تعلمني الشيء نفسه.


كلما استمعت أكثر، عرفت أكثر.


وكلما عرفت أكثر، قلّ خوفي من المجهول.


وربما، في بلد مثل السودان، نحتاج اليوم إلى أن نتعلم شيئًا بسيطًا جدًا:


«قبل أن نحاول أن نتفق، علينا أولًا أن نتعلم كيف نسمع بعضنا.»


حمزة كاسترو


موسيقي وباحث في الثقافة والموسيقى السوداني